من 25 يناير إلى 3 يوليو.. في مذكرات شاب ريفي

منشور الثلاثاء 3 يوليو 2018

"رسالتي التي أسعى إلى تلبية مقتضياتها بما لدي من أدوات، والتي أتمنى أن تكون صادقة، ونقية من عيوب الطبيعة البشرية، لم تختمر في ذهني بين عشية وضحاها؛ بل هي حصيلة تجارب متراكمة مررت بها". كانت هذه الكلمات المزخرفة لأولى صفحات مذكراتي. وعندما أعدت النظر إليها؛ وجدتها بمثابة ومضات أضاءت لي مسيرة الأحداث التي دفعتني للإيمان بحقوق الإنسان وقرار تكريس مستقبلي المهني للدفاع عنها، حتى إن كان هذا يعني في مصر تهديد الحرية الشخصية، أو تهديد الحياة أحيانًا.

أنا محمد، في بداية عشريناتي، طالب في كلية القانون، درست الصحافة لفترة موجزة في أحد معاهد الدراسات الإعلامية، ومن المغضوب عليهم من المجتمع الذي يعادي من يحلق بأفكاره بعيدًا عن الأنماط الموضوعة مسبقًا، بإستثناء أمي وأستاذتي – الدكتورة سحر- وأصدقائي المقربيين الذين يدعموني في تحقيق ما أتمني أن أصل إليه. وفي هذه الشهادة سأروي لكم كيف غيرت انتفاضة 25 يناير ثم موجة 30 يونيو عالمي.

علاقتي بالشأن العام بدأت ككثير من أبناء جيلي بالقضية الفلسطينية، فمنذ المرحلة الابتدائية استحوذت "القضية" على اهتمامي، وكنت أتتبع أخبارها باهتمام كبير. 

أتذكر الآن كيف كنت أحاول إقناع زملاء الطفولة بضرورة الاصطفاف مع المقاومة الفلسطينية، وكيف كانت موجات صوتي ترن في أروقة المدرسة وأنا أذيع فقرة الأخبار في الإذاعة المدرسية، وكيف تهكمت في إحدى المرات على الرئيس السابق محمد حسني مبارك أثناء الحرب على غزة عام 2008 ولقيت جزائي بعدها، وكيف كانت تغمرني السعادة عندما يتطرق أحد المدرسين للحديث في الأوضاع العامة.

في المرحلة الإعدادية تشكلت اهتماماتي، في تلك الفترة التي ترامنت مع مراهقتي، جاءت ثورة 25 يناير، وصرت أعلم أن "السياسة" ليست فلسطين فحسب، وأن كل الأمور على اتصال ببعضها البعض. أتذكر كيف كنت أجالس من يكبرونني سنًا أثناء سير أحداثها؛ ومحاولاتي للخروج برواية متماسكة من كل تلك الروايات والآراء المتضاربة حولي، فتارة تكون الحقيقة بالنسبة لي هي أنها ثورة حقيقية صادقة الأحداث والأهداف. وتارة أخرى، تغمرني الشكوك التي تحملها أحاديث الكبار المنقولة عن الأبواق الإعلامية المؤيدة للدولة.

 

المتظاهرون يواجهون الشرطة 28 يناير 2011

هذه الفترة هي التي بلورت شخصية طالب الثانوية العامة، الذي كان يشتبك مع جميع من يحاوطونه من الأهل والجيران والأصدقاء والأساتذة، متقمصًا شخصية واحد من الشباب الذين بدأوا في الظهور في الإعلام، ليعبروا عن أحلامهم في خلق مجتمع ديمقراطي تعددي يحترم كرامة الإنسان.

كنت مبهورًا بشكل خاص بالشخصيات الشابة التي أعلنت انتمائها لحركة شباب 6 إبريل، عندما كان يستقبلهم الإعلام كشباب وطني ثائر، عينه على صالح البلاد ومستقبلها، قبل أن تُعلن حركتهم الديمقراطية جماعة إرهابية. كانت وجوههم وتعبيراتهم الشابة خفيفة الظل بالغة الحيوية تحرك الركود عندما يصمت جميع الناس.

واكبت فترة الدراسة الثانوية مرحلة هامة في تاريخ مصر، وهي محاولة التحول الديمقراطي التي خابت، وكأن جميع القوى السياسية تضافرت لإفشالها في هذه الفترة. بعد تولي جماعة الإخوان المسلمين سدة الحكم، انفتح المجال العام نسبيًا في الريف، فكانت المناقشات تدور آناء الليل وأطراف النهار بين القاطنيين في هذه الجهة، وتجلّت فيها المخاوف المسيطرة على نفوسهم من تكرار الاستبداد الذي عاينته البلد لعقود طويلة.

لذا لم يكن غريبًا أن تقابل أسرتي اهتمامي المتزايد بالسياسة؛ بكثير من الريبة والخوف والتحذير من  عواقب الاقتراب من السياسة ولو بالحديث. بمجرد أن أنطق برأي يرون فيه طيف معارضة ورفض لما يجري، ينهال على أذني سيل من العبارات التي تنهرني وتطالبني بالرضوخ للأوضاع القائمة والتركيز في التحصيل الدراسي. لكن هذا لم يشكل عائقًا بالنسبة لي، فكانت الحوارات تدور بصورة مستمرة بيني وبين أصدقائي الذين ألتقي بهم، ويجمعنا الاستخفاف بتحذيرا الأهل ومراقبة التحولات السياسة الدائرة، والتي بدت كأنها تهدم جوهر ما كان يحلم به الشباب ويبشرون به من تحول ديمقراطي.

لكن ما يجمع بيني وبين أصدقائي لم يلغ الاختلافات الواسعة بيننا. فكان منّا فريق يندد بسياسات الرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي، وكان هناك فريق آخر يكرس مخزونه من الكلام والقدرة على الجدال لدحض الحجج التي يقدمها الفريق الأول.

كل هذا الزخم اختلف جدًا بعد موجة تظاهرات 30 يونيو 2013، وما تلاها من أحداث متلاحقة تقطعت معها أنفاسنا، وكانت جسامتها تفوق خبرتنا وقدرتنا على المتابعة والفهم والنقاش. هناك من استمر بعدها في الاشتباك مع مجريات الأوضاع السياسية، وهناك من انزوى للتركيز في التحصيل الدراسي، وهناك من لا يزال ينتظر فرصة لإفراغ الخبرة التي اكتسبها من هذه التجربة.

مرت خمس سنوات على أحداث 30 يونيو، تغيّر فيها الكثير من أفكارنا وتوجهاتنا الأيدولوجية. عندما التقينا مؤخرًا؛ ظهر التباين الشديد بيننا بصورة أكثر وضوحًا. لكننا تذكرنا كيف كنا من فئة قليلة من الطلاب الذين يكترثون للاشتباك مع الأحداث السياسية، وكيف تجاهلنا تحذيرات الأهل والمدرسين، وكيف أثرت الأوضاع السياسية في اختياراتنا، وكيف مررنا بتحولات فكرية ونحن في العقد الثاني من عمرنا؛ قد لا يمر بها أشخاص آخرين طول حياتهم.

تذكرنا كيف كنا سطحين في بعض تحليلاتنا، وكيف أعادت الاحداث شكل الفِرَق التي كانت تدور بينها مناظرات فكرية، فمن كانوا يتواجدون في فريق واحد الأمس، أصبح من الصعب أن يجتمعوا في ذات الفريق اليوم. كما أننا سلمنا لقناعة عادلة وهي؛ رغم أننا أخطأنا كثيرًا في تقدير الأمور، إلا أننا لم نتورط في سفك الدماء؛ لذلك لا تثريب علينا

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.