عمر الزهيري- الصورة: الموقع الإلكتروني لجائزة Nespresso

رحلة الزهيري إلى كان: حوار عن السينما والتلقائية والتخلي عن الكمال

منشور الأربعاء 4 أغسطس 2021

 

يتسّم فيلم عمر الزهيري ريش (2021)، الذي حصد الجائزة الكبرى وجائزة الفيبرسي (الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين) لأفضل فيلم في مسابقة أسبوع النقاد بمهرجان كان، بشيء من القسوة والخشونة والقتامة والتقشف، من حيث الاعتماد البصري على الواقعية شديدة الصدق في الديكورات والملابس والإكسسورات، والإضاءة القاتمة المنخفضة الأقرب للظلمة منها للإنارة، والألوان التي تتدرج دائمًا بين البني والرمادي، فيما تظهر الشخصيات والأشياء مبتورة.

لكن صورة الفيلم، الذي أصبح أول عمل مصري يحقق جائزتين في كان، تبدو مفارقة لما تعكسه حياة الزهيري الشخصية من أناقة تتبدى في الذوق الفني الذي نظم من خلاله بيته، حيث زارته المنصة بعد عودته من فرنسا.

قلب ميت

ذلك ليس الاختلاف الوحيد بين عمر وما استخدمه من سمات فنية في فيلمه، فالمخرج الحريص جدًا في حركة كاميراته داخل المشهد، يتنقل كثيرًا بينما يتحدث وإن لم تفارق عيناه من يخاطبه؛ عندما التقت به المنصة، كان وصل القاهرة لتوه بعد شهرين من الارتحال بين محطات كثيرة انتهت به في باريس حيث عُرض فيلمه ضمن المهرجان الفرنسي الأعرق، لكن تلك الحركة المتسارعة للزهيري لا تعكس قلقًا بقدر ما تعكس النشاط الذي يتحلى به المخرج ذو الثلاثة وثلاثين سنة، يقول للمنصة "صنعت هذا الفيلم بقلب ميت. كنت أراهن على التعبير عن إحساسي ولتخرج النتيجة بأي شكل، لكنني لم أتوقع هذا الاستقبال، ليس الجائزة فقط، وإنما كذلك رأي لجنة التحكيم والنقاد والمشاهدين وإطراءهم على الشكل والقرارات الجريئة التي اتخذتها في الفيلم".

 

الزهيري بصحبة الجائزة- الصورة: خاص المنصة

لم يتوقع عمر المعتز بالجائزة التي "يتمنى كل مخرجي العالم أن يتنافسوا عليها"، أن يتم اختيار فيلمه من الأساس للمشاركة في كان "لأني أدرك تمام الإدراك ما صنعناه في الفيلم"، لذلك فوجئ باستحسان العديد من النقاد الأجانب وما كتبوه عن فيلمه بعد عرضه في فرنسا، مشيدين بتميز أسلوبه الذي يقترب من سينما المخرج الفلندي آكي كاوريسماكي.

يقصد المخرج الشاب، الذي يضع حسابًا لرد فعل المتلقي تجاه "الجديد"، بـ"ما صنعناه في الفيلم" استغراقه في التجريب الذي تأثر فيه بالمخرج المصري خيري بشارة، لذلك يرفض الزهيري الربط بينه وبين المخرج الفنلندي، قائلًا للمنصة "التجريب هو ما يمتعني بشكل شخصي مثلما يفعل المخرج خيري بشارة الذي أحب أفلامه للغاية، بالتأكيد آكي كاوريسمكي مخرج عظيم ولكن لدينا في مصر من لا يقلون أهمية عنه، مثل بشارة. فحينما كنت أصنع فيلمي كنت أشاهد كابوريا كمرجع رئيسي لي".

مضيفًا "في أحد الحوارات مع خيري بشارة قال أن تولد في مصر فذلك يحدد لك مسارك وقدرك، لا يمكنني إنكار أنني ابن تراثي السينمائي حتى لو تمردت عليه أو رفضته أحيانًا؛ ذلك هو ما ألهمني لصناعة ريش".

سينما مصر

تدور أحداث ريش عن زوجة تعيش في كنف زوجها ومعهما أولادهما، لا تخرج من شقتها الصغيرة ولا تعرف ما يدور خارجها، حتى تتغير حياتها إثر حادث مفاجئ، فعندما يُحضِر الزوجُ ساحرًا في عيد ميلاد ابنه الصغير، يقع ضحية إحدى الحيل عندما يجرب الساحر عليه خدعة تُحوله إلى دجاجة، لكنه يفشل بعدها في إعادته إلى طبيعته، وفي كلمة التكريم التي ألقاها الزهيري قبل استلامه الجائزة، قال "إنه لأمر رائع للسينما المصرية ولنا الحصول على هذه الجائزة... لأننا نصنع سينما مختلفة ونريد إيصال السينما المصرية كفن ومشاعر. كنا شجعانًا وخاطرنا كثيرًا. وأيضا اتسمنا بالجرأة".

مسألة المصرية لا تعتمد فقط على المحتوى الدرامي للفيلم، ولكن تمتد أيضًا إلى صناعه أنفسهم، لكن الجودة التي بدت عليها الصورة في ريش تكاد تضاهي جودة الصورة الأمريكية الأكثر تطورًا، وتوحي بأن ثمة عناصر أجنبية استعان بهم المخرج للخروج بمشاهده في تلك الهيئة، لكن زهيري الذي ضحك قبل إجابته على تلك الملاحظة، قال "مدير التصوير كمال سامي مصري مئة بالمئة"، مضيفًا "نحن فنانون والجيل الجديد من السينمائيين في مصر جيل عظيم، وبالمناسبة لم نتعلم في الخارج بل درسنا في معهد السينما وكلية فنون تطبيقية".

 

البرومو التشويقي لفيلم ريش


صنع زهيري فيلمين قصيرين وريش هو عمله الدرامي الطويل الأول، ويعمل في السينما منذ 2006، وهي السنة التي بدأ خلالها دراسته بالمعهد العالي للسينما، وكان أول ما اختبره تدريبًا في هي فوضى ليوسف شاهين، ثم عمل بعد ذلك مساعدًا للإخراج ومنتجًا في أفلام تجارية ومستقلة بالإضافة إلى عمله في مجال الإعلانات، وربما تكون تلك الخبرة، رغم سنه، ما شجعه لمطالبة شركة الإنتاج بتحكم كامل في الفيلم "قلت لشركة الإنتاج أريد أن أصنع هذا الفيلم بالطريقة التي يمليها عليَّ قلبي ومنها أن كل من يعملون بالفيلم يكونون مصريين".

إن الحديث عن العنصر المصري، أو الاعتماد على البيئة المحلية، يجلب إلى الصدارة فورًا شعار "الاستغراق في المحلية للوصول إلى العالمية" الذي صار أجوفَ بتكراره مع الزمن ومع كل عمل فني، باختلاف مشربه، يسافر إلى الخارج في أيٍّ من صور انتقال الفنون، لكنَّ عمر الزهيري لا يخجل حين يصرح بأن علاقته بالسينما الأجنبية كانت ضعيفة من الأساس، مؤكدًا أن ثقافته السينمائية اعتمدت على الإنتاج المصري في المقام الأول "لم أكن أشاهد أفلامًا أجنبية كثيرة، السينما التي أثرت فيَّ وألهمتني بالفعل هي السينما المصرية التي كنت أشاهدها وأنا طفل في التليفزيون المصري بالقناة الأولى".

وأضاف "لدينا سينما وثقافة مصرية رفيعة جدًا، ولكننا لسنا مرتبطين بها، كل فنان يتعامل وكأنه صاحب الريادة، وذلك خاطئ تمامًا، علينا أن نعيد اكتشاف ثقافتنا المصرية ونرتبط بها أكثر".

ملمح أخر يعكس انشغال صاحب ريش بهويته، أو البحث في أصل تلك الهوية عن معانٍ جديدة، ويظهر في اعتماده على أماكن للتصوير تهمل العاصمة التي نشأ في أحد أحيائها؛ العباسية، إلى أماكن أبعد وأكثر هامشية، لكنه يقول للمنصة "السينما التي أحبها وأحاول أن أصنعها هي التي أستطيع وحدي صنعها. السينما التي تخرج من قلبي وحدي. الشيء الساحر في السينما هو أن تشاهد أشياءً لم ترها من قبل. أحاول أن أخلق سينما غير متعارف عليها حتى آخذ المشاهد إلى عالم بعيد عن منطقة راحته. ولهذا أيضًا لا أقول كل المعلومات. دائما أفلامي فيها شيء غير مكتمل. فأنا أريد للمشاهد أن يحكي حكايته".

سألته "وكيف فعلت ذلك؟" وقف ثم عاد يتحرك في أرجاء الغرفة، والتجول في المكان سمة رئيسية يعرفها جسده الذي يكره الثبات، وهو يقول "الفيلم قصته شديدة البساطة وصنعت آلاف المرات من قبل. ولكن الأسلوب هو المختلف... المربك أو الجميل في الفيلم هو أنك قد لا تكترث بشخصيات الفيلم إذ ما قابلتها في حياتك اليومية، ولكن الأسلوب الذي صنع به يجعل المشاهد يقدر الصعوبات التي يعيشونها".

وأضاف "لا توجد أسماء أو أماكن للفيلم، ثمة طريقة مختلفة للسرد داخله، واستخدام للأدوات الدرامية، ستجد مثلًا أن الموسيقى تتحول فجأة لتشكل حضورًا مهمًا، وأن الناس تتكلم حد الإزعاج، وأن الممثلين وخاصة الأطفال ينظرون للكاميرا. حاولت أن أكسر كلما اعتاد عليه المشاهد من طرق نمطية للسرد".

تلقائية القصد

يعتمد عمر زهيري التجريب في شكل السرد الدرامي، لكنه لا يسعى للهدم ثم البدء من جديد مع كل عمل يصنعه، وإنما يطور من أسئلته، أو يعيد طرحها بصيغ جديدة على نفسه قبل المتلقي، ففي فيلمه القصير ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمام بالكيلو 375 (2014) ثمة حس ساخر يقترب من الكوميديا السوداء، وهو حس يمتد إلى ريش وكأن الأخير استكمال بشكل ما للفيلم الأول، يقول "حينما كنت أصنع أفلامًا قصيرة كانت شخصيتي مختلفة تمامًا عن شخصيتي الآن، كنت صغير السن، أريد أن أثبت لنفسي أنني قادر على صنع فيلم، وكنت أعول على الأفلام أماني ومعانٍ كثيرة، كنت أقول لنفسي إنني لو صنعت فيلمًا جيدًا فهذا يعني أني إنسان جيد، كنت أختزل حياتي كلها في الأفلام التي أصنعها. وبعد مرور سنوات متعددة وتجارب أكثر اكتشفت أني بني آدم وأنه من العادي جدًا أن أصنع فيلمًا سيئًا".

 

جوائز عمر الزهيري في كان- الصورة: خاص المنصة

مضيفًا "الغريب أنني حينما صنعت فيلمي القصير لم تكن في رأسي أية أفكار. كنت أريد أن أتخرج من المعهد فقط، كلمت صديقي المخرج سامح علاء (وهو المخرج الذي حصل فيلمه ستاشر على السعفة الذهبية في الدورة السابقة من مهرجان كان) وقلت له أريد قصة لتحويلها إلى فيلم، لكنني بعدها بيومين قرأت قصة موت موظف لأنطوان تشيكوف، فاتصلت بصديقي السيناريست شريف نجيب وطلبت منه أن يكتب معي الفيلم، كتب نجيب السيناريو في يومين، وقرأته ثم شاهدت فيلمًا قصيرا للمخرج السويدي روي أندرسون وقررت تقليده بصريًا".

أبديت استغرابي لمدى صراحته، فضحك ثم أكمل "كل ذلك حدث في أسبوعين فقط. ولكن وقبل التصوير بيومين فقط. شعرت فجأة أن الفيلم من الممكن أن يكون فيلمًا مميزًا. حينها قررت قراءة السيناريو مرة أخرى فتراءى لي عالم غريب وساحر فقررت خلق ذلك العالم، وحينما عرض الفيلم في معهد السينما كان من بين المحكمين وحيد حامد وسمير سيف اللذان أعجبا بالفيلم للغاية؛ قال لي وحيد حامد سوف تكون مخرجًا كبيرًا، بينما قال لي سمير سيف لديك شيء نسميه الأسلوب المتسق مع نفسه وهو أمر يتميز به المبدعون الكبار فقط ولم أكن أفهم كل ذلك حينها".

وتابع "شاهد يسري نصر الله الفيلم بعد ذلك ثم قال لي الفيلم ذو مستوى عالٍ جدًا. يجب أن تقدمه لمهرجان كان السينمائي، لم أستمع إلى كلامه في البداية ولكن بعد إلحاح قدمت الفيلم وعرض في المهرجان".

سألته "وهل استمررت بهذه التلقائية التي ميزت فيلمك القصير؟"، فأجاب "نعم. في ريش نضجت وتعلمت كثيرًا وأصبح لدي عائلة صارت تحتل الأهمية في حياتي في حين تراجعت السينما لتشغل 30% منها فقط. في ريش لم أكن أحمل الكثير على السينما وتخليت عن فكرة الكمال".

وقف مرة أخرى ليعود إلى الحركة، ثم أضاف "التلقائية هي ما حاربت من أجل تنفيذه في الفيلم. مثلا ستجد مشهد الرجال وهي ترقص رقص شرقي فجأة في الكافتيريا، الكثير من هذه اللحظات التلقائية ستجدها في الفيلم".

تمثل مفردة التلقائية مفتاحًا آخرَ لقراءة الفيلم الفائز بكان، حيث إن الزهيري اختار أغلب أبطاله من الناس العاديين الذين لم يجربوا التمثيل من قبل "كنت أريد أناسًا ليس لديهم أي وعي بالكاميرا وأن يخطئوا حتى يشعر المشاهد أنه عالم حقيقي، بالإضافة إلى أني أريد للمشاهد ألا يتعرف عليهم، هذا ما أحبه، أريد في كل مشهد أن توجد مفاجأة وهذا ما يميز السينما وهو ما يسعد المشاهد. في كل لقطة هناك فكرة جديدة".


اقرأ أيضًا: فيلم "ستاشر": غربة وراء نقاب

 

سامح علاء يحمل السعفة الذهبية- الصورة: IMDB

لكن تلك الرغبة القصدية من المخرج تتنافي مع التلقائية التي يسعى إليها، لكنه يرى أن الطريقة التي اتبعها في التنفيذ "تترك مساحة للتلقائية مثل مشهد الدجال في دورة المياه، حيث قررت أن تكون لقطة واحدة فقط وأن تكون مقربة على وجهه، مثلًا مشهد لهو الأطفال في النافورة كان أكثر من لقطة ولكن في المونتاج وجدت أن لقطة واحدة تكفي لأنها معبرة تمامًا عما أريد قوله، أحضر بشكل جيد جدًا ولكن أترك مساحة للارتجال، مثلًا مشهد عيد الميلاد والرقص. أخلق حالة وأترك الممثلين وأصور ما يفعلونه، البحث عن الكمال كثيرًا ما يجعلنا لا نرى أشياء جميلة تبرزها التلقائية".

"يهمني الإنسان"

الإشارات المتعددة إلى مشاهد الحركة في الفيلم وأفكار عمر زهيري عن التلقائية، توحي بحركة لا تنتهي لكاميرا تتنقل بين زوايا المشهد وما يحتوي عليه من وجوه " كثيرة"، لكنها تفاجئك في ريش ثابتة لوقت طويل وكأنها إلى أقرب إلى الفوتوغرافيا منها إلى السينماتوغرافيا (الصورة المتحركة)، لكن زهيري يعتمد على الكادر الواحد كمساحة حذف تمنح للمتلقي فرصة لقراءة الناقص من الصورة، يقول إن "فن الفوتوغرافيا هو فن الكادر الواحد القادر على حكي الكثير من الحكايات، لذا قررت أن أحكي الفيلم وكأنه صور فوتوغرافيا وعبر منظور مختلف وأيضًا لعبت على خيال المشاهد حيث أقدم له تفاصيل وتلميحات بسيطة ليخلق قصته ويسأل أسئلته. فحينما أصور يد البطلة فقط وهي تمسك بالمال فالمشاهد يعرف ما يدور لاحقًا بعيني البطلة وعقلها".

سكتْ قليلًا، ثم أضاف "الفيلم مبني على الأسلوب أكثر منه على السيناريو، يقول السيناريو مثلًا إن البطلة تذهب للعمل ولكن ما يحدث في المشهد هو ما أضيفه كمخرج، فحينما ذهبوا بالدجاجة إلى الدجال الإفريقي كان الرجل بداخل الخيمة من البداية ولكني غيرتها أثناء التصوير لينزل الدجال من فوق التبة متجهًا إليهم".

سألته وأنا أحاول إيقاف تيار أفكاره قليلًا كي نحللها بدقة أكثر "هل هي فعلا قصة بسيطة؟ فقصة الفيلم تحتمل الكثير من التأويلات كغياب الرجل رب الأسرة وتحول المرأة إلى بديل له ومشاكل عمال المصانع الاجتماعية والاقتصادية والصحية وغيرها من المشكلات التي تهدد وتؤرق المهمشين في مصر." أجاب "أقصد بالبساطة بساطة الخط الدرامي. فأسلوبي يحاول جعل الإنسان هو الأساس لا الفكرة. أحكي عن أم والفيلم صنعته باعتباري ابن وزوج والأهم إنسان. فـ ريش فيلم عن الإنسان في الأساس".

أخبرني كيارستمي أنني لست جريئًا

تعاني الأفلام المصرية خاصة والعربية عامة في السنوات الأخيرة من مشكلة الجهات المانحة الأجنبية التي دائمًا ما تدفع بصناع الفيلم إلى تبني وإظهار قضايا محددة في أفلامهم، لكن إهمال زهيري للفكرة/القضية في صالح "الإنسان" تدفع للتساؤل عن الكيفية التي تعامل بها مع شروط الجهات المانحة، يقول المخرج "في أول سنتين من عمر صنع الفيلم عانيت كثيرًا. حربي الدائمة هي حرب الاستشراق. دائمًا ما كانوا يريدون إضافة السياسة والدين. وكان ردي دائمًا على القائمين على المنح الأجنبية نحن لسنا قرودًا. حصلت على مجموعة من المنح ولكني بالتأكيد فقدت منحًا أخرى بسبب أنهم كانوا يريدون تغيير الفيلم بما يتوافق مع رؤيتهم هم لا رؤيتي الخاصة وهو ما رفضته تمامًا".

 

جوائز عمر الزهيري عن أفلامه القصيرة- الصورة: خاص المنصة

ثمة قطاع من الجمهور مثل الجهات المانحة يميل إلى ما يحدث تأثيرًا وجدانيًا سريعًا من خلال قضايا تخاطب عاطفته، لكن عمر زهيري لا يعرف كيف سيتلقى الجمهور المصري فيلمه عند عرضه، يقول "أعتقد أن الشباب سوف يحبون الفيلم. أفهم ما يحدث للسينما المصرية المستقلة. فلقد حملناها أكثر من اللازم. هي سينما تتطور ولم تكتمل بعد. وهي ليست سينما جماهيرية بل فنية وستظل فنية ومختلفة ومتحررة عن السينما التجارية ولا يمكن مقارنتهما ببعض. ولكن تنقصها الكثير منها الجرأة".

سألته "ماذا تقصد بالجرأة؟"، فأجاب "أقصد الاختيارات الفنية. ما دمت قد صنعت فيلمًا لا ينتمي إلى السينما السائدة فلماذا لا تأخذ الطريق إلى منتهاه. يجب أن تكون السينما المستقلة أكثر راديكالية مثلما فعلت المخرجة أيتن أمين في فيلمها سعاد".

كان ينتظر عمر الزهيري يوم طويل، بعد عدة أشهر من السفر رفقة فيلمه وبعد فوزه بجائزتين، حيث كان عليه أن يظهر في عدة قنوات وإذاعات بعد حواري معه؛ سألته وأنا ألملم أفكاري بينما يتأهب للخروج من بيته "ما إحساسك الآن بعد فوزك بجائزتين في أعرق وأهم مهرجان سينمائي في العالم خاصة أنك أول مصري يحصل على هذه الجائزة؟".

وقف في وسط الغرفة، كانت حرارة صيف القاهرة في الخارج تزيد عن 40 درجة بينما نجلس نحن في غرفة معيشته في ضاحية 6 أكتوبر والشمس تنير أرجاءها فتكشف ركن الجوائز التي حصل عليها ومكتبه الذي يعمل عليه ومكتبته الممتلئة بكتب علم الاجتماع وعلم النفس والأدب والسينما، وركن خاص يبدو أنه جديد قد تزين بالشهادات التي حصل عليه لتوه، ثم قال بابتسامة يغلب عليها الارتباك "سعيد للغاية. بالتأكيد لم أكن أتوقع هذه الجوائز. كنت أتوقع مجرد شهادة تقدير لمجهودي ومجهود فريق العمل في الفيلم. وسعيد لأني جئت من مصر وأن فريق العمل كله مصري وسعيد بالممثلين غير المحترفين. فيلمي القصير الذي شارك في مهرجان كان في 2014 لم يفز بأي جوائز ولكن قال لي المخرج الإيراني عباس كيارستمي، الذي كان في لجنة التحكيم فيلمك جميل ولكن لست جريئًا بما يكفي".

لكن الجرأة التي تحققت في ريش، وأشار إليها متلقوه من النقاد والمحكمين، لا تمثل ميزة ينفرد بها الفيلم عن غيره من الإنتاج المصري الجاد بحسب الزهيري، الذي يرى أنه صنع ذلك الفيلم "لأني تعلمت من التاريخ الكبير للسينما المصرية، التي تستحق كثير من أفلامها الجوائز، وهو تاريخ يجب أن يفخر به صناع السينما المصريين ولا يخجلوا من تصريحهم بحبه والتأثر به".