تصميم: يوسف أيمن- المنصة
يكفي نشر طالب واحد لأسئلة الامتحان، لتقوم صفحات الغش الإلكتروني بالاستعانة بمعلمين متخصصين في المادة، لتوفير الإجابات

للعام التاسع: لماذا تستمر تسريبات الثانوية؟

منشور السبت 17 يوليو 2021

 

للعام التاسع على التوالي، وجدت وزارة التربية والتعليم نفسها عاجزة عن وقف تسريب امتحانات الثانوية العامة، حيث تصبح الأسئلة متداولة على فيسبوك وتليجرام بعد دقائق معدودة من بدء الوقت الأصلي للامتحان؛ جرى ذلك في امتحاني اللغة العربية واللغة الأجنبية الثانية، الفرنسية والألمانية والإيطالية، ورغم محاولة الوزارة البحث عن حلول غير تقليدية للحفاظ على سرية الامتحانات، فإن المسربين طوروا كذلك من أساليبهم.

ولم تفلح سياسة الترهيب التي اتبعتها وزارة التعليم، قبيل انطلاق الامتحانات السبت الماضي، 10 يوليو/ تموز الجاري، في ردع الطلاب الذين كانت لديهم نية الغش والتسريب مسبقًا، حيث لوّحت بتطبيق قانون مكافحة الإخلال بالامتحانات، الذي يقضي برسوب الطالب عامين، وإحالته للنيابة العامة، وإمكانية حبسه، بقوة القانون.

وضبطت وزارة التعليم خلال امتحان اللغة العربية 27 طالبًا بينهم 12 في الشعبة العلمية و15 في الشعبة الأدبية، وفي اللغات الثانية 23، جميعهم متهمين بتصوير ونشر الأسئلة على منصات التواصل الاجتماعي، وحيازة أدوات غش، وبلغ الأمر حد نشر الوزارة أسماءهم وأرقام جلوسهم وعقوبة كل منهم، كنوع من الردع، لكن هذا الإجراء، وإن كان يطبق للمرة الأولى، لم يثنِ الغشاشين عن مواقفهم.

عصا إلكترونية لمحاربة الغش

تلجأ الوزارة إلى التفتيش لمنع تسريب الامتحانات، وتستخدم لذلك عصا إلكترونية يمررها فرد الأمن الإداري على جسد الطالب، يمينًا ويسارًا، للتأكد من عدم حوزته لأجهزة إلكترونية يمكن استخدامها في الغش أو التسريب، لكن بعض الطلاب يتحايلون على هذه الوسيلة بإخفاء الإلكترونيات في أماكن لا تصل إليها العصا، مثل تحت حزام البنطال، أو في الجوارب، أو يلصقه على ظهره أسفل ملابسه، أو داخل حمالة الصدر بالنسبة للطالبات. 

وحال نجح الطالب بالدخول بالهاتف المحمول، أو أدوات الغش الحديثة الأخرى، مثل النظارات الذكية المتصلة بالهاتف المحمول وبها كاميرات تُسجل ما يقرأه الطالب، أو ساعات اليد المتصلة أيضًا بالهاتف الذكي، ومزود بها كاميرا، فإنه يكون نجح بنسبة 50% من مرحلة الاستعداد للغش والتسريب في الامتحانات.

 

إحدى لجان امتحان الثانوية العامة 2020. الصورة: رئاسة الوزراء- فيسبوك

داخل مقر اللجنة، تكون الـ50% الأخرى، لكن النجاح في هذه الخطوة يتوقف على تشدد أو مرونة المراقب، وفيها يبدأ الطالب في إخراج الهاتف سرًا، ليلتقط أسئلة الامتحان خلسة وينشرها على جروبات الغش الإلكتروني، أو يكتفي بتلقي الإجابات من خلال الدخول على التطبيق المعروف بأنه يوفر حلول الأسئلة المنشورة.

ويكفي نشر طالب واحد لأسئلة الامتحان، لتقوم صفحات الغش الإلكتروني بالاستعانة بمعلمين متخصصين في المادة، لتوفير الإجابات، فهناك على تليجرام مثلًا، غرف متخصصة في ذلك مغلقة على المشتركين فيها، ولا يُسمح للغرباء بدخولها أو الاطلاع على محتواها.

وتوجد صفحات أخرى على فيسبوك، معروفة بأنها متخصصة في الغش والتسريب منذ سنوات، تحمل اسم شاومينج، حيث تقوم باستقبال الأسئلة من الطالب الذي نجح في تصويرها خلسة، لتعيد نشرها مدعومة بالإجابات، ليستفيد منها الطلاب الذين بحوزتهم أدوات غش داخل اللجان، في غفلة من المراقبين المتواجدين.

وفور نشر صورة من أسئلة الامتحان، تتحرك غرفة عمليات وزارة التربية والتعليم، للوصول إلى الطالب المتهم بالتصوير، وبعد التعرف عليه تتواصل مع رئيس اللجنة التي يمتحن فيها هذا الطالب، لمطالبته بضبطه وتحريز وسيلة الغش التي بحوزته، مع تحرير محضر له، وإلزامه بالتوقيع عليه كتابيًا، بعد اطلاعه على مضمونه.

تكنولوجيا ضبط الغش

يشرح مسؤول بوزارة التربية والتعليم للمنصة، فضّل عدم ذكر اسمه لأنه ليس مصرَّح له بالتحدث للإعلام عن امتحانات الثانوية العامة، طريقة الوصول إلى الطالب المتهم بتصوير ونشر الأسئلة، مؤكدا أن ذلك يتم من خلال الكود السري الموجود على ورقة امتحان الطالب، وهذه آلية يمكن التعرف من خلالها على المتهم بارتكاب هذا الفعل.

يضيف المصدر، أن كل ورقة في بوكليت الأسئلة، بها كود خاص سري مطبوع على جوانبها الأربعة، يمينًا ويسارًا وأعلى وأسفل، وعند نشرها على صفحات الغش الإلكتروني، يقوم ضابط مباحث الاتصالات الموجود داخل غرفة عمليات الامتحانات بوزارة التعليم، بإدخال الرقم السري على جهاز ماسح ضوئي، ليعرف بيانات صاحب الورقة.

الخطوة التالية، تكون بالاتصال برئيس اللجنة وإبلاغه ببيانات الطالب، ليقوم بعدها بضبطه متلبسًا بوسيلة الغش. وعندما سألته المنصة، عن إمكانية إخفاء الكود السري عند التصوير، قال إن ارتباك الطالب لحظة التصوير، لا يتيح له التقاط الأسئلة باحترافية ليخفي ملامح جريمته، ما يسهل مهمة ضبطه.

 

أثناء دخول الطلاب إحدى  المدارس لأداء امتحانات الثانوية العامة 2020. الصورة: مجلس الوزراء- فيسبوك

ويوضح المسؤول أن الطالب الغشاش، حتى لو لم يتم ضبطه لا يمكن له الاستفادة من الإجابات المتداولة، لأن عدد الأسئلة كبير، ويصل إلى 60 في بعض الامتحانات، كما أن ترتيب الإجابات مختلف بين الطلاب رغم أن الأسئلة واحدة، لكن هذه حيلة من الوزارة لإرباك المتحايلين.

اختلاف ترتيب الإجابات بين الطلاب، يعني أن السؤال الأول في الامتحان، مثلًا، إجابته رقم (ج) عند طالب، و(أ) عند الثاني، و(ب) عند الثالث، وهكذا. وغالبًا ما تقوم صفحات الغش بكتابة إجابة كل سؤال بالترقيم، وليس بكتابة الاختيار الصحيح كجملة، أو ككلمة، ما يتطلب من الطالب الغشاش أن يكون في قمة تركيزه، وهذا صعب.

وتعمدت وزارة التعليم، هذا العام، أن يكون بكل لجنة أربعة نماذج للامتحان، متطابقة في الأسئلة لكنها مختلفة في ترتيبها، لإرباك الغشاش وتفويت الفرصة على الطلاب لتداول الإجابات بينهم.

المسؤول نفسه يؤكد أن وزارة التربية والتعليم أبلغت الداخلية بأسماء وروابط صفحات الغش الإلكتروني، على التطبيقات الإلكترونية المختلفة، لغلقها وضبط المسؤولين عنها، لكن تبين وجود صعوبة في اختراقها أو حتى التشويش عليها، ما جعل المواجهة مقتصرة على ضبط الطلاب الذين يفضحون أنفسهم بنشر الكود السري.

من خلال هذا السيناريو، يتضح أن أزمة التسريب لها أكثر من ضلع، الأول فرد الأمن التابع للوزارة الذي لا يقوم بتفتيش الطلاب بشكل احترافي، والثاني هو مراقب اللجنة الذي لا يتشدد في منع استخدام أدوات الغش والتصوير والنشر، والأخير، هي صفحات الغش الإلكتروني التي لم تُغلق.

نيران صديقة

لكن الرئيس الأسبق لقطاع التعليم، ورئيس امتحانات الثانوية العامة خلال عامي 2012 و2013، رضا مسعد، يكشف للمنصة بعض الكواليس الخفية عن عمليات الغش والتسريب في الامتحانات، مؤكدًا أن الأزمة الأكبر تكون في المراقبين الذين يتعاملون بعاطفة مع الطلاب بدافع الرحمة، أو الخوف من التشدد لتجنب الإيذاء.

يضيف رضا مسعد أن بعض مراقبي لجان الثانوية العامة يتعاملون بمنطق الأبوة، ويتساهلون مع الطلاب مراعاة لظروفهم، وهذا أسلوب خاطئ، لأنهم بذلك يؤثرون سلبًا على المجتهد، ويساوي الغشاش بالمتميز، وفي نفس الوقت يعرضون أنفسهم للأذى، لأنهم يتعرضون للمساءلة والعقوبة بسبب التقصير في مهمة المراقبة.

المشكلة الثانية، وفق مسعد، أن هناك فئة من المراقبين يتساهلون مع الطلاب خوفًا من الضرر الذي يعتقدون أنهم سيتعرضون إليه، مثل الاعتداء عليهم إذا رفضوا الغش، أو ترهيبهم من أهالي المنطقة، رغم انتشار الأمن حول اللجان، لكن هؤلاء يتعاملون مع مراقبة الثانوية بمنطق الحماية الذاتية أولًا وأخيرًا، وليغش من يغش.

الأزمة الثالثة التي كشف عنها مسعد، ترتبط ببعض العمال في مدارس الثانوية العامة التي يكون بها لجان امتحانات، ويقول "للأسف، العامل هو الشخص الوحيد الذي يظل في مكانه دون تغيير، وهو على علاقة طيبة بشريحة من الطلاب، وقد يساعدهم في الغش بإخفاء الهاتف المحمول للطالب، وتسليمه إليه عقب التفتيش".

"بعض العمال قد يتسلمون الهواتف المحمولة من الطلاب ليلة الامتحان، ويحتفظون بها، ويسلموها إليهم في اليوم التالي بعد التفتيش، وأحيانًا يدخل الطالب اللجنة ويجد العامل وضع الهاتف في المقعد الذي يمتحن عليه، كخدمة بمقابل، أو يسلمه للطالب عند منطقة الحمامات، ليدخل على صفحات الغش ويدوّن الإجابات المنشورة للامتحان على يديه، أو في ورقة صغيرة، ويعود لكتابتها مرة ثانية في ورقة الإجابة، وهنا تكون المهمة نجحت بسلام"، بحسب مسعد.

مهمة أصعب

بعيدًا عن التحايل، فإن طريقة الأسئلة الجديدة التي تطبقها وزارة التعليم هذا العام لأول مرة، وكلها اختيار من متعدد، صعبت المهمة على المسؤولين لكشف الغشاشين، ففي كل سنة، كانت تقوم الوزارة بتحديد المستفيدين من الغش من خلال تطابق الإجابات في الأسئلة المقالية، وهذا غير قابل للتطبيق مع طريقة الاختيار من متعدد.

تعكس المواجهة مع الغشاشين تمسك وزارة التعليم بأسلوب قديم وتقليدي في كشف هؤلاء الطلاب، لأن العصا الإلكترونية مستخدمة منذ عام 2012، في حين تطورت أدوات الغش نفسها لتستفيد من التطور التكنولوجي في مجال الأجهزة الذكية، ما يمنح الطلاب الساعين للغش أو التسريب تفوقًا نسبيًا على خطط الوزارة.


اقرأ أيضًا: الأزهر يغازل معارضي "تطوير التعليم": المعاهد ترحب بكم

 

المعهد الأحمدي الأزهري بطنطا. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

تظهر الأزمة أيضًا أن المواجهة بتغليظ العقوبات لن تكون مجدية، بدليل أن التشهير بالغشاشين والمسربين للامتحانات، حدث في اليوم الأول، ويحدث منذ سنوات، دون مبالاة من الطلاب، لكن المشكلة في أن واضعي العقوبات أنفسهم، وهم أعضاء مجلس النواب، أحيانًا ما يتدخلون عند وزارة التعليم للعفو عن المتورطين بالغش.

وشهد العام قبل الماضي، أزمة من هذا النوع، عندما تدخل أعضاء بمجلس النواب عن محافظة كفرالشيخ، وتحديدًا عن دائرة بيلا، لمطالبة وزارة التعليم بتخفيف الطلاب المتورطين في الغش داخل إحدى لجان الثانوية بالدائرة، بعد قرار الشؤون القانونية في الوزارة برسوبهم، لدرجة أن المحافظ نفسه تدخل.

وقتها تمسكت وزارة التعليم بموقفها ورسب الطلاب، وخُففت عقوبة الحرمان من الامتحانات من سنتين إلى سنة واحدة، أي أن أسلوب الردع أحيانًا ما يواجَه برفض نواب يفترض أنهم مسؤولين عن تطبيق القانون الذي وضعوه ليردع الطالب الغشاش، كنوع من الدعاية الانتخابية، أو إرضاء لأهل الدائرة.

أمام هذا الجدل المتكرر كل عام، بشأن الغش والتسريب، وصعوبة القضاء على الظاهرة، يقترح البعض عدم التعامل مع درجات الثانوية العامة باعتبارها المقياس الوحيد لمستوى الطالب، ولا بديل عن تطبيق اختبارات قدرات في كل كلية، لتحديد ما إذا كان الطالب يستحق الالتحاق بها، أم لا، لكشف المجتهد من الغشاش، فيما تستمر محاولات الوزارة لتضييق الخناق على مسربي الامتحانات والغشاشين الذين تتطور أساليبهم كل عام ليحصلوا على نصر معنوي أحيانًا ضد نظام الثانوية العامة والمسؤولين عنها.