تصميم: يوسف أيمن - المنصة

قصة الحي السادس والسابع: من الاشتراكية إلى الإهمال ثم الولع بالمظهر الحضاري

منشور السبت 19 فبراير 2022

في عام 1963 كتب المهندس جمال فهيم مقالًا في مجلة المصور بعنوان "من أجل هذا أنشأت مدينة نصر". في ذلك الوقت، كان المهندس ذو الشارب القصير والنظارة السميكة على أعتاب رئاسة المؤسسة المسؤولة عن تأسيس هذه المدينة الجديدة التي تمتد على مساحة 40 مليون متر.

كانت تصورات فهيم وأقرانه من المسؤولين في هذه الفترة، بشأن مدينة نصر، أن تكون "المدينة المثالية" هي التي يتم بناؤها بمعايير بسيطة ومساحات خضراء يتخللها النور والهواء.

ولكن بعد نحو ستة عقود على نشأتها، رأى مسؤولون آخرون ضرورة إزالة بعض من المجمعات المبنية على الطراز الستيني في مدينة نصر، وبناء أبراج ومولات مكانها، لأن أحياء مثل السادس والسابع أصبح مظهرها عشوائيًا، وأي عابر إلى العاصمة الإدارية الجديدة سيضطر للمرور عبرها، ما سيشوه المظهر الحضاري للعاصمة.

في محاولة البحث عن أسباب الإهمال التي وصلت بالحيين السادس والسابع لوضعهما الراهن، والتي بررت الاتجاه لإزالتهما، وجدنا أن الدولة كانت أيضا هي المسؤول الأول عن ذلك، ما يجعل قصة هذه الأحياء الستينية تجسد التحولات الكبيرة التي جرت في سياسات الدولة خلال العقود الماضية، من الاشتراكية إلى الإهمال إلى الولع بالمظهر الحضاري.

 

مجلة المصور، العدد رقم 2043 الصادر في 6 ديسمبر 1963

بداية مدينة نصر

بدأت مخططات مدينة نصر في 1959، عندما أصدر الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر قرارًا جمهوريًا في هذا العام بإنشاء مؤسسة عامة تتولى تطوير المنطقة الصحراوية التي تفصل ما بين حي مصر الجديدة والقاهرة القديمة، على غرار أعمال التطوير التي تقوم بها الشركات العقارية الكبيرة في وقتنا الراهن، عندما تتولى عملية إنشاء مجتمع جديد من الصفر وسط الصحراء.

لكن الفلسفة الاجتماعية للمدينة "نصر" تختلف عن مصر الجديدة التي بناها البارون إمبان في مطلع القرن الماضي، لكي تكون نموذجًا للحياة الأوروبية التي يتطلع إليها صفوة الصفوة من الطبقات العليا آنذاك.

كانت مدينة نصر موجهة بالأساس لطبقة عبد الناصر الوسطى التي تبحث عن مسكن بسيط وصحي يناسب دخولها المتواضعة، أو كما يقول المهندس فهيم فقد تأسست لتكون "منطقة سكنية متكاملة على الأساس الاشتراكي التعاوني مستوفاة للمرافق العامة ومباني الخدمات دون النظر إلى الاستغلال التجاري، بما يخفف عن مدينة القاهرة وتنفرج أزمة السكان".

وفي ذات العدد من مجلة المصور، كتب الدكتور محمد أبو نصير رئيس مجلس إدارة مؤسسة الإسكان والتعمير، المسؤولة عن الإشراف على تطوير  مدينة نصر وأحياء أخرى آنذاك، إنه "من الواجب أن يتكامل تطبيق مبادئنا الاشتراكية في مجال الإسكان، سواء من الناحية المعمارية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فتحقق توفير خدمات الإسكان لأكبر عدد ممكن وبأقل نفقات ممكنة".

 

مجلة المصور، العدد رقم 2043 الصادر في 6 ديسمبر 1963

لا تقتصر التصورات العمرانية  لمؤسسة الإسكان على بناء مساكن رخيصة، ولكن صحية أيضًا، حيث يتحدث تحقيق منشور في نفس العدد من المصور تحت عنوان "قصة المدينة التي لن يحتاج سكانها إلى علاج"، عن النموذج المثالي الذي تستهدفه المؤسسة في الأحياء التي تشرف على تطويرها، والذي من ملامحه الأساسية بناء عمائر بسيطة محدودة الارتفاع وتتخللها مساحات خضراء.

 

مجلة المصور، العدد رقم 2043 الصادر في 6 ديسمبر 1963

كيف تحول الحلم إلى كابوس 

تنتمي عمائر الحي السادس والسابع إلى هذه الفلسفة العمرانية، لكن المظهر البادي لهذين الحيين في الوقت الراهن لا يوحي بالصورة المثالية التي جاءت في مقالات الآباء المؤسسين خلال الستينات، حيث يظهر أثر تردي مستوى المرافق بشكل واضح على العمائر القديمة، كما يظهر بين هذه المساكن "الاشتراكية" أبراج حديثة مبنية بشكل عشوائي على مساحات ضيقة.

مصدر بوزارة الإسكان طلب عدم ذكر اسمه، قال للمنصة، إن هناك تقارير هندسية أثبتت أن هناك عقارات آيلة للسقوط وأخرى على وشك، وإنه سيتم إزالة عدد  125 بلوك -عقار- من مساكن الحي السادس، وجزء من الحي السابع، ولن تتم إزالة المباني التي تم إنشائها حديثًا، حيث أكدت التقارير الهندسية سلامتها من الناحية الإنشائية "الهدف من الأمر هو إزالة المساكن الشعبية -البلوكات".

لكن السكان لم يشهدوا أي زيارات تفقدية حقيقية لتقييم العقارات وتحديد ما إذا كانت آيلة للسقوط بالفعل، وهو ما أكده أيضًا مصدر حكومي بمحافظة القاهرة تحدثت إليه المنصة.

يستدعي هذا التدهور البحث عن الجهة المسؤولة عنه، وربما تتجه الأنظار للوهلة الأولى إلى الجهة التي قامت بإنشاء تلك الأحياء، مؤسسة الإسكان والتعمير، لكن بالبحث في القوانين القديمة سنجد أن المؤسسات التي تشرف على الشركات التابعة للدولة قد ألغيت منذ عام 1975.

وبالنظر لمستوى أقرب من الإدارة، فإن مؤسسة مدينة نصر التي كانت تحت إدارة المهندس فهيم، تحولت منذ 1964 إلى شركة قطاع عام "مدينة نصر للإسكان"، وهو كيان لا زال باقيًا إلى يومنا هذا، لكن تمت خصخصتها بالتدريج منذ بدء قيدها في البورصة 1996، والأهم أن مسؤوليته كانت تقتصر على بناء وتطوير أحياء مدينة نصر، أما عن صيانتها المستمرة فقد أكد لنا أكثر من مصدر أنها مسؤولية محافظة القاهرة بالأساس.

"شركة مدينة نصر للإسكان والتعمير، لا علاقة لها بالأرض الخاصة بالحي السادس وجزء من السابع، وباتت ملكًا خالصًا لمحافظة القاهرة" كما قال مصدر بوزارة الإسكان للمنصة، طلب عدم ذكر اسمه.

ويؤكد مصدر آخر، كان مسؤولًا سابقًا بالشركة القابضة للتشييد والتعمير، التي كانت مدينة نصر جزءًا منها قبل الخصخصة، على أن المحافظة هي الجهة المسؤولة عن الحيين السادس والسابع منذ أن انتهى إنشاؤهما، معتبرًا أن المحليات هي المسؤولة عن التدهور الذي حدث بهما خلال تلك الفترة.

"المطور العقاري يقسم الأراضي ويرفقها ويبنيها ومن بين تخطيط العمارات تكون الشوارع والحدائق والأسواق، لكن بمجرد أن ينهيها يسلمها للهيئة أو المحافظة، وهذا يعني أنه بعد بيع الوحدات السكنية لا تتحمل الشركة مصروفات الصيانة لإضاءة الشوارع أو أعمال النظافة وتتحول لمنفعة عامة، لذلك يكون تسليمها بمثابة إخلاء مسؤولية عن الشركة مقابل حصول الحي على نسبة تتراوح بين 25-35% من وديعة الصيانة والباقي يذهب لاتحاد الملاك" كما يقول المصدر.

وفي هذا السياق، أصبحت هناك بنايات آيلة للسقوط، لأنها "تم إنشاؤها منذ نحو 60 سنة، ولم يتم عمل أية صيانة لها على مدار العقود الستة الماضية" كما يزعم المصدر بوزارة الإسكان.

هل تنهار العقارات حقا؟

يقف المسؤولون الذين ينادون بإزالة الوحدات المحددة في هذه البلوكات، خلف مزاعم أن تلك العقارات آيلة للسقوط لأنها بنيت في الستينيات ولم تتلق الصيانة اللازمة، لكن مصدرًا في محافظة القاهرة وعدد من السكان، تحدثت إليهم المنصة، ينفون هذه المزاعم.

قال رمضان الشبكشي أحد سكان المنطقة وهو يعيش فيها منذ كان طفلًا"لم يقم أي مسؤول أو موظف بالحيين بمعاينة المنطقة، الشقق كلها ملك ساكنيها، يقولون إن العمارات آيلة للسقوط، ونحن لا نرى ذلك، هناك بلوكات من أيام عبدالناصر وعمارات السوايسة وعمارات من وقت السادات ووضعها جيد، وحتى لو فيه عمارة فيها مشكلة بسبب المجاري هل هذا يتطلب هدم الحيين بالكامل".

ويضيف "وقت ما كانوا بيحفروا أعمدة المونوريل سألونا هل البيوت اتأثرت أو حسيتوا بحاجة وقلنالهم لأ، لكن غير كده محدش عاين، كمان المونوريل بيعدي بمنطقة بعيدة عن الوحدات السكنية وسيمر فقط بجزء من الحي السابع وليس السادس".

وفي السياق نفسه أكد مصدر حكومي بالمحافظة للمنصة أن هذه البلوكات لم يتم معاينتها أو تقييمها للوقوف على حقيقة أنها بالفعل آيلة للسقوط، بل على العكس يرى المصدر أنها "عقارات آمنة للسكن" لكنها مخططة ومبنية منذ الستينيات، ولم تصبح متوافقة مع التخطيط الحالي للمنطقة، لذلك ترى المحافظة أنه من الأفضل إزالتها وإعادة بنائها وفقا للتخطيط العمراني المناسب للوقت الحالي.

ولكن الشبكشي يشعر أن هناك مبالغة في تقييم الحالة المتردية للحي الذي يسكن فيه، وأن الدولة كان يمكن أن تقوم بإصلاحات بسيطة بدلًا من الإزالة الكاملة"كان أولى أن تزيل المحافظة الورش والقهاوي التي بنيت على المساحات الخضراء خلال السنوات الماضية.. المكان لا يحتاج لهدم وبناء إنما يحتاج لتنظيم وإعادته لهيئته".

يظهر الفرق بين التخطيطين القديم والحالي في المنطقة، فالبناء في تلك الأحياء لم يقتصر على البلوكات الاشتراكية القديمة، ولكن تخلل تلك المناطق أبراج سكنية جديدة بدا أن مظهرها العمراني مشوه وعشوائي.

يقول مصدرنا بالشركة القابضة إن "المحليات لم تطبق القانون، كانت تسمح ببناء عمارات ملاصقة لعمارات قائمة ثم يتم التصالح عليها، كانت هذه بداية الحرب على المدن المخططة منذ الستينات، في بداية مدينة نصر كان يسمح للبناء على 60% فقط من الأراضي المخصصة والشركة كانت تمر بالمسطرة على الناس لتطبيق كود البناء في المنطقة، بعد ذلك انفلتت الأمور وأصبحت العمارات ترتفع بالـ 20 دورًا.. يمكننا رؤية ذلك أيضا في المهندسين والجيزة".

ومع زيادة الأبراج، تحول النمط الإسكاني بالمنطقة، بشكل تدريجي نحو التخطيط الرأسمالي، وأصبحت كل مساحة أرض متاحة مشروعًا مربحًا خاصة مع الضغط السكاني وحاجة الناس للمساكن، وقدرة صاحب المشروع على التصالح مع الدولة، أو بيع الوحدات السكنية لمواطنين يتولون هم التصالح، وفقا للمصدر.

في هذا السياق، ستكون محافظة القاهرة هي أيضًا المسؤول عن إزالة 125 بلوكًا في هذه الإحياء مع تعويض الأهالي، وبناء عمائر جديدة مكانها، لكنها لن تكون على الطراز الاشتراكي، وإنما نمط جديد من العمارات الشاهقة المفتونة بنموذج دبي.

يقول المصدر بوزارة الإسكان "المساكن التي ستتم إزالتها، سيتم بناء بدلًا منها عمارات سكنية على الطراز الحديث على غرار ما تم بناؤه في منطقة مثلث ماسبيرو، التي أصبحت تحفة معمارية، الجميع يتمنى أن يسكن بها".

من يدفع ثمن المظهر الحضاري؟

وتطرح الدولة 3 بدائل على سكان الحي السادس والسابع بعد التطوير، إما الحصول على مقابل مادي بناء على سعر المتر أو مساكن بديلة في منطقة أخرى، أو العودة لمساكنهم في الأبراج الجديدة، لكن لأن الحي الجديد سيكون أكثر فخامة من الحي الاشتراكي القديم فعلى قدامى الساكنين سداد فارق الثمن.

ولا تبدو الحلول الثلاثة مرضية لبعض من أهالي المنطقة،  يقول الشبكشي الذي ولد في الحي السابع منذ 40 عامًا "الخيارات جميعها تحملني التزامات مالية لا أريدها، أنا لا أريد تغيير مكاني أو شراء شقة جديدة، لا يمكنني تغيير تفاصيل حياتي التي عشتها طيلة هذه السنوات وحياة أبنائي أيضا والبدء في منطقة أخرى".

يشير رمضان إلى أن الأزمة الأخرى التي ستواجه التعويضات هي تقييم الوحدات التي يملكها السكان، فالحكومة لن تريد أن تدفع القيمة الحالية للوحدات، وستقيمها كوحدة آيلة للسقوط "هذا سيبخس حقنا بعدما أصبحت الأراضي أعلى ثمنًا.. لن نستفيد من هذا بل على العكس سنتحمل تكلفة لنعيش في نفس المنطقة أو نتحمل تغيرات في المرافق والمستوى الاجتماعي في حال انتقلنا لمكان آخر".

يتصادم نمط الستينات بطوابقه المنخفضة مع نظرة الدولة حاليا للأرض المقام عليها هذه المباني كأصل مرتفع الثمن يمكن استغلاله في بناء عقارات تستهدف طبقات أعلى وتحقق إيرادات أكبر.

يقول المصدر بالشركة القابضة "يختلف النمط العمراني الذي تتبناه الحكومة حاليا مقارنة بما كان في الستينات فبعدما كان مقتصرا على أدوار  محدودة ومساحات خرسانية أقل لصالح المساحات الخضراء، أصبحت تميل لبناء الأبراج ذات الارتفاعات الشاهقة مع مزيد من الاهتمام بالشكل الخارجي، واستهداف شرائح الاجتماعية ما بين محدودي ومتوسطي الدخل".

ويضيف "الدولة أصبحت تبني كما يبني القطاع الخاص وإن كان برفاهية أقل وبتكلفة تناسب الشرائح المتوسطة ومحدودة الدخل في المجتمع".

لكن هناك أصوات، حتى من خارج الدولة، ترى أن هذه الأحياء القديمة، وما تمثله من حصيلة سوء صيانة وعشوائية متراكمة عبر عقود، يجب إزالتها ليس في مدينة نصر فقط ولكن في مناطق أخرى.


اقرأ أيضًا: عم إبراهيم لن يغادر بيته: يد "التطوير" تصل مدينة نصر

 

الحي السادس في مدينة نصر- خاص المنصة

يقول المستثمر العقاري فتح الله فوزي، للمنصة، "الدور لا يزال ينتظر أماكن أخرى لا محالة"، ويضرب فوزي مثالًا للمشروع الذي تم تنفيذه في منطقة مثلث ماسبيرو، وجزيرة الوراق وغيرها، ويرى إحلال تلك المناطق وتطويرها "ضرورة تأخرت".

ويرى كذلك المصدر بالشركة القابضة أنه "ليس عيبا أن تهتم الحكومة بتسهيل الوصول للعاصمة الإدارية، أو تطوير ما في طريقها، هذا هو تعمير المنطقة".

ومع كل هذا الجدل، خَفَت صوت الأزمة بينما تتواصل المحافظة مع السكان لإقناعهم بالتوقيع على استمارات التعويضات أو البدائل السكنية، وتنشر قوائم أسماء الموقعين عبر صفحات التواصل الاجتماعي، فيما يتمسك كثيرون بأملهم في أن تتراجع الحكومة، لكن يبدو أن الشكل التاريخي لتأسيس مدينة نصر سيبقى في المجلات والأرشيف، ولن تتمكن المدينة من الاحتفاظ بطابعها الستيني لوقت طويل، وستتحول إلى النمط العمراني صاحب البناءات الشاهقة آجلًا أو عاجلًا.