جون فاندرلين- القرن التاسع عشر- ويكيبديا
كولومبوس يهبط على إحدى جزر الهند الغربية

"فتح أمريكا".. والثقافات المهزومة سلفًا

منشور السبت 14 أكتوبر 2023

من الكتب الملهمة التي تركت أثرًا في حياتي ربما يتجاوز موضوعها، كتاب فتح أمريكا: مسألة الآخر، للناقد الأدبي تزفتيان تودوروف (1939- 2017)، الذي ترجمه عن الفرنسية المترجم القدير بشير السباعي عام 1992، بمناسبة مرور خمسة قرون على فتح أمريكا.

ترجع أصول تودوروف إلى بلغاريا حيث ولد، ولكنه انتقل للعيش في فرنسا عام 1963، وتخصص في دراسة النظرية الأدبية، أما أهمية الكتاب والكاتب معًا، فتكمن في الخروج من حقل التخصص الأدبي وقواعده إلى حقل أنثروبولوجي واسع، يدرس ظاهرة استعمارية مثل فتح أمريكا.

عتبة العالم الحديث

هذا الفتح عُدَّ إشارة بداية للعالم الحديث. بعده تغيرت نظرتنا للعالم وجغرافيته المحدودة. ولكن ما كان يركز عليه تودوروف هو طريقة فهم كل ثقافة للعالم، وكيف سيتحدد مصيرها تبعًا لهذا الفهم. فالذين قاموا بفتح أمريكا، سواء كان الرحالة والمستكشف الإيطالي كريستوفر كولومبس، أو من جاؤوا بعده، مثل الإسباني إرنان كوريتس الذي فتح المكسيك، امتلكوا جميعًا ثقافة وفهمًا أكثر مرونة للعالم من ثقافة السكان الأصليين، ممثلي حضارتي الآزتيك في المكسيك، والمايا في بيرو وجواتيمالا.

هذه المرونة التي يسميها تودوروف "الارتجال"، ويعتبرها صفة أنثوية، يقصد بها اتخاذ القرار تبعًا لظروف الحاضر، وليس الماضي أو المستقبل، حسب ما يمليه الموقف وتحولاته، بعكس تلك الشعوب التي كانت تملك ثقافة "طقوسية"، تلجأ للماضي، والوسطاء الروحيين، ليمدوهم بالحلول.

بالتالي كانت الغلبة للفاتحين الارتجاليين بالرغم من قلتهم. فالهزيمة أحيانًا تحدث في الثقافة قبل أن تحدث على الأرض، وبمعنىً آخر هي كامنة في ثنايا الثقافة، ووسائلها في التواصل الرمزي بين أفرادها، عند مواجهتها بثقافة أخرى أكثر تطورًا في استخدام أدوات اللغة ورموزها، وتملك رفاهية التلاعب بها، ومع منتوجاتها من رؤى وأخيلة، وتطويعها للسيطرة على ثقافات وخيال شعوب أخرى، وهذا ما حدث تمامًا في فتح أمريكا.

الاستملاك باللغة

يكتب تودوروف عن فكرة "استملاك" الآخر لغويًا من قِبل المركزية الأوربية حتى إبادة ذلك الآخر، كأن اللغة بها سلاح استملاكه والاستيلاء على صورته، رغم نزاهة علاماتها وحياد رموزها.

هزيمة حضارة الآزتيك جاءت من عدم قدرتهم على الربط بين مكونات تفوقهم أو نقاط قوتهم الداخلية

كتُبت النصوص التي توثق للفتح بعد حدوثه من قبل الفاتحين لا السكان الأصليين. ثم جاءت نصوص الكتاب الأصليين متأثرة بتلك الكتابات الأولى، مثلما حدث تمامًا في رحلة "الاستشراق" لإدوار سعيد، من إعادة إنتاج صورة للشرق عبر العصور من طرف أبنائه متأثرين بالكتابات الغربية، التي غالبًا ما تحمل نظرة متعالية وغرائبية تجاه الآخر.

هناك سبب ثان في ذلك "الاستملاك اللغوي"، ليس كامنًا فقط في خطاب الثقافة المستعمِرة، ولكن يرجع إلى أنَّ هذه الثقافة الأخرى، المستعمَرة، معزولة وعاكفة على الذات، ليس لها آخر بشري بسبب موقعها الجغرافي، وبالتالي غير مرنة في تصوراتها عن هذا الآخر. 

الآخر بالنسبة لها هو الطقوس والشعائر الشكلية، أكثر من التواصل بين أفرادها وجماعاتها الداخلية، وهي الثغرة التي دخل منها المستعمِر. فهزيمة حضارة الآزتيك جاءت من عدم قدرتهم على الربط بين مكونات تفوقهم أو نقاط قوتهم الداخلية، فبقيت غير متقاطعة، وغير معبأة لصالحهم في معركتهم، كما يشير تودوروف.

كانت حقبة التسعينيات في مصر عقيمة في حواراتها، وهناك ما يمنع التواصل الحقيقي بين الكاتب والمتلقي، أو بين الإنسان والآخر. ربما عدم التواصل يطرح ظلال تلك الثقافة المهزومة التي فقدت التوافق بين أفرادها بعضهم البعض، فعاش كل منهم في عزلة منكفئًا على نفسه، كما حدث مع شعوب الآزتيك والمايا.

ففي التسعينيات انكشف العالم أمامنا، وحدثت السيولة في كل شيء، بسبب هدم سور برلين وحرب الخليج، وظهرت قارة جديدة من الأفكار والترتيبات العالمية، تحتاج لمرونة ووعي داخليين، لم يتوفرا لنا كثقافة مصرية.

كان يسيطر عليَّ آنذالك شعور الهزيمة الثقافية، وربما أيضًا كوننا ثقافة خارج التاريخ، وهي جملة ظلت متداولة حتى الآن، كأن كل ما نفعله لا يُكتب ولا يُسجل، بل يذهب في هذا الخارج غير المنظور لقارة التاريخ، وينداح إلى فجوة تمتصه، ولايعود لنا تاريخ موازٍ نحفظ فيه حياتنا وذكرياتنا، وآمالنا. 

أهمية الحوار لأي ثقافة

جزء من اهتمامي بالكتاب أن اللغة، والثقافة بشكل عام، عاملي حاسم في الهزيمة أو الانتصار، وليس فقط التقدم العلمي أو الحروب بمعناها التقليدي، فداخل فضاء اللغة/الثقافة، بوصفي كاتبًا، يمكن أن يحدث التغيير، بأن تعكس اللغة أمراض المجتمع والثقافة.

كلِّ خطاب لا بد له من آخر متخيل ينتجه ويساهم في نشاطه وفعاليته

فضعف التواصل، أو فقدان اللغة المشتركة بالمعنى المجازي بين أفراد المجتمع، يعود دومًا لأشياء تبطل الارتباط البنَّاء بهذه اللغة وتلك الرموز؛ التعصب أو السلطوية، أو القمع، أو عدم المرونة أو الطقوسية، أو عبادة الماضي، كما يشرح تودوروف. كلها أشياء بشكل ما تؤثر على الثقافة وعلى أدواتها في التواصل، وإمكاناتها في أن تكون قوة حماية لتلك الثقافة.

أيضًا أعاد الكتاب الثقة في أن هناك تغييرًا يمكن أن يُحدثه الأدب واللغة، عبر طبيعة الخطاب الذي ينتجه. المهم أن يتوفر المكان الصحيح والفاعلية لها وأن يُزال من أمامها ما يعوق فاعليتها، والأهم عدم إغفال العلاقة الثمينة بين الكاتب والمتلقي ليحدث الحوار/التواصل.

الحوار يحتاج إلى آخر، من يستمع ويتلقى لأنه بدوره جزءًا من ذلك الفهم والتفسير، وهكذا يتحقق الجدل بصورته الأقوى كمادة فعالة لتوليد الأفكار الجديدة، وبذلك تتسع مساحة التواصل الرمزي والفكري بين أفراد أي مجتمع، وهي من مؤشرات قوة أي ثقافة.

في دراسة لتودوروف، أيضًا، عن الناقد الروسي ميخائيل باختين، اسمها "المبدأ الحواري"، يتقصى صور الحوار ومفهومه عند الناقد الروسي الأشهر، استكمالًا لرحلته بين الثقافة والآخر، "الإنسان والآخر"، أو الكاتب والمتلقي/الآخر.

فكلِّ خطاب لا بد له من آخر متخيل ينتجه ويساهم في نشاطه وفعاليته. هذا المبدأ الحواري نقله تودوروف لتطبيقه بين الثقافات المغايرة، وليس فقط على مستوى النص الإبداعي. فالسعي للآخر لاكتشافه، لا استعماره، أيًّا كان هذا الآخر ثقافة أو إنسانًا، به حفاظ على الذات، بعكس الانكفاء والتقوقع اللذين يُسببا تحلل الثقافة.

يكتب تودوروف تعليقًا على فهم باختين للحوار أن "المؤلف ليس مسؤولًا وحده عن محتوى خطابه الذي ينتجه، إن المتلقي، على الأقل كما يتخيله المؤلف، يشارك بصورة متساوية في العملية"، وهي الفكرة التي شغلت تودوروف؛ مشاركة هذا الآخر وليس السيطرة عليه، ومن هنا قام نقده لفكر الاستعمار وجانبه السلطوي، ولأي مركزية تسير في اتجاه واحد ولا تنظر فيه للآخر، ولا مشاركته، بل تتعالى عليه.

لأن المفارقة التي حدثت مع فتح أمريكا، أن اكتشاف ذلك الآخر المختلف رافقه عدم فهم له، ومحاولة استعماره واستغلاله والتعالي عليه.

أسلحة متعددة للغزو

كان غرض تودوروف من "فتح أمريكا" البحث عن أسباب هذا التفوق الإسباني الكاسح، الذي أدى لنجاحهم في ارتكاب هذه المذبحة التاريخية، رغم قلة عددهم، على ثقافة بحجم ثقافة شعب الآزتيك (المكسيك) الذي تم اكتشافه.

تحللت الثقافة الآزتيكية بسبب النظام الهيراركي الذي تتبعه

فبالرغم من أن الحضارة المكسيكية كانت الأكثر ازدهارًا، يأتي السؤال كيف استولى كورتيس، الذي فتح المكسيك 1519، في رحلته الثالثة، ومعه بضع مئات من الرجال، على مملكة الملك موكيتزوما الآزتيكي، الذي كان يقود مئات من الآلاف المحاربين؟ 

فهذا الفارق في القوة بالنسبة لشعب الآزتيك، كان يوازيه دون شك فارق مكافئ في شيء آخر، يملكه الغازي كورتيس، وهو اللغة ونظام الثقافة وليس استخدام البارود أو الخيل.

يُشير تودوروف من بعيد إلى أن السبب هو تحلل تلك الثقافة الآزتيكية، بسبب النظام الهيراركي الذي تتبعه، بجانب الفُرقة بين جماعاتها، فظهرت كثقافة متقطعة الأوصال، وأصبح طغيان الجماعة يفوق متطلبات الفردية، وبذلك تكونت تمايزات طبقية وفجوات وأسوار في العلاقات، لا علاقات ندية، في التواصل بين أفرادها بعضهم البعض، كما كان عند الإسبان.

يكتب تودوروف "ينمي الأسبان شكل الاتصال بين الإنسان والإنسان، بينما ينمي الهنود الاتصال بين الإنسان والعالم".

وأيضًا هناك نظام الإيمان بالعلامات الذي يستخدمه الآزتيك، فالمستقبل يكشف عن نفسه بالنسبة لهم من خلال العلامات، سواء نذير الشؤم أو البشائر. فقد كان "تصور الهنود أن الإسبان آلهة وليسوا بشرًا"، وبالتالي "عدم الاعتراف بهم كأنداد، وكمختلفين في آن".

وهنا تؤول فكرة الاختلاف إلى أوضاع إما متعالية أو دونية. والثانية كانت بالطبع من نصيب الآزتيك، الذين رأوا أنفسهم أقل من الإسبان، لأن الآخرين آلهة، كما تقول معتقداتهم.

بجانب سلاح لم يعمل له أحد حسابًا؛ لم تعرف ثقافة الآزتيك ومملكتها، لبُعدها، الأمراض، فجاء السلاح البكتريتولوجي من الإسبان، الذين حملوا معهم الجدري إلى ذلك المكان البكر، فاجتاح جيش موكيتزوما.

غياب الحاضر سبب الهزيمة

في الوقت نفسه "كانت شعوب المايا والآزتيك يعيشون في أزمة روحية تقطعت فيها الأوصال مع آلهتهم واعتبروها آلهة خرساء لا ترد على أسئلتهم، ولا ترسل لهم بالنبوءات ليحاربوا بها المستعمر الغازي لأرضهم. ولم تساعدهم في هزيمة الإسبان. فقد طلبوا من الآلهة أن تمنحهم البركة بالانتصار على الإسبان، إلا أنه يبدو أن الأوان كان قد فات، لم يجدوا إجابة أخرى من وسطائهم الروحيين، عندئذٍ اعتبروا الآلهة خرساء أو ميتة".

وجاءت كل الرسائل تُرجح كفة القادمين الغرباء، فما كان من ملكهم موكيتزوما سوى الاستسلام، بدون مقاومة "تلقى موكيتزوما سيلًا من الرسائل التي تتنبأ كلها، علاوة على ذلك، بانتصار القادمين الجدد".

لا نتصور لغة دون إمكانية الكذب، إذ أنه لايوجد كلام يجهل المجازات

فالنبوءات والنذر شلت السكان الأصليين وقللت من قدرتهم على المقاومة، فكل الأحداث التي يعيشونها كانت إما في الماضي أو المستقبل، والحاضر ليس إلا حاجزًا بينهما، وهو أصلًا غير موجود. هناك إخضاع الحاضر للماضي، والزمن يكرر نفسه عندهم، بخلاف علاقة الإسبان الآنية بالحاضر.

فالهزيمة كما يرى تودوروف أتت "من هذا الصدام بين عالم طقسي وحدث فريد، وبينت عجز موكيتزوما عن إنتاج وسائل مناسبة وفعالة". ولأن "تربيتهم الكلامية تحبذ النموذج على حساب التركيب التعبيري، والشفرة على حساب السياق، والتمشي مع النظام، لا الفاعلية الآنية، والماضي لا الحاضر".

ثم نصل لدور اللغة والعلامات في هذه الهزيمة المدوية "العلامات بالنسبة للآزتيك، تنبثق بشكل أوتوماتيكي وضروري، من العالم الذي نشير إليه، بدلًا من أن تكون سلاحًا موجها إلى التلاعب بالآخر".

إذن يتضح أن العلامة عند الإسبان ولغتهم أصبحت سلاحًا يتم التلاعب به، يؤدي إلى الكذب البلاغي كاستخدام الاستعارة والمجاز، بينما السكان الأصليون صادقون لا يكذبون لغويًا، بعكس الإسبان الذين كان الأصليون يطلقون عليهم صفة الكاذبين.

يختم تودوروف تصوره بهذه الجملة الذكية "لا نتصور لغة دون إمكانية الكذب، إذ أنه لايوجد كلام يجهل المجازات". فالكذب داخل اللغة كان مشاركًا في فتح/اكتشاف قارة جديدة!

بعد أن يبحث تودوروف أسباب الانتصار، يحول هذه الأدوات إلى دليل إدانة لهذا الغازي، لأنها أفقدته جزءًا من إنسانيته؛ أصبح نفعيًا، وفقد الصلة بين الإنسان والعالم الذي يحيط به، بعكس شعوب الآزتيك والمايا، التي حتى الآن يتردد أصداء هذا الاتصال بينهم وبين العالم، رغم هذه الهزيمة المدوية.


الاقتباسات الواردة في هذا المقال منقولة من كتاب "فتح أمريكا: مسألة الآخر"، تزفتيان تودوروف. ترجمة بشير السباعي. دار سينا للنشر، 1992 القاهرة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.