المنصة
تصميم: يوسف أيمن

تلك الأحداث| هوامش على دفتر "الثورة"

منشور الأربعاء 27 يناير 2021

كان عليّ أن أختار بين جملتين، إما "10 سنوات على الثورة"، أو "10 سنوات من الثورة"، وانتهيت إلى قرار استخدام الثانية في هذا المقال.

هناك فارق كبير بين الجملتين لغويًا، فالأولى تعني أن هناك ثورة مر على انتهائها، أو هزيمتها، 10 سنوات، فيما تعني الثانية أن هناك ثورة مضى على استمرارها 10 سنوات. يبدو الخيار الثاني عاطفيًا، وغير متسق مع مجريات الأمور، وما بدا أنها قد آلت إليه، لكنه يبدو لي متسقًا تمامًا مع الفكرة التي أحاجج بها نفسي، قبل محاججة الآخرين، وهي أن الثورة "عملية متكاملة"، وليست مجموعة من المظاهرات أو الاحتجاجات. لا تعني الثورة، بالنسبة لي، مجرد خلاص من حاكم، أو من نظام حكم، بقدر ما تعني تغيرًا نسبيًا في موازين القوى على الأرض، وتغيّرًا جذريًا في ثقافة المجتمع وتركيبته، وهما أمران يحتاجان إلى سنوات قد تطول. 

قد تساعدنا نظرة إلى الوراء على فهم ما حدث، وعلى استشراف ما قد يحدث.

قبل سنوات من نجاح الثورة التونسية في التخلص من زين العابدين بن علي، كان الهواء المصري معبأ بدخان الغضب. لم تولد مظاهرات 25 يناير من عدوى الثورة التونسية، بل من تفاعلات كانت مستمرة لسنوات في الشارع المصري، ربما تعود إلى عام 2003.

في 20 مارس 2003، خرجت في القاهرة مظاهرات حاشدة للاحتجاج على الغزو الأمريكي للعراق، استمرت طوال اليوم، وتجمعت في ميدان التحرير. وفي ذلك اليوم، نجح المتظاهرون في احتلال الميدان للمرة الأولى، ربما منذ مظاهرات الكعكة الحجرية عام 1971. هتف المتظاهرون ضد الأمريكان، وضد التخاذل العربي، كما هتفوا ضد حسني مبارك ورجال حكمه، كادت الأمور تمر بسلام لولا أن أحدهم قاد هتافًا ضد حبيب العادلي وطالب بإسقاطه، فجاوبته الجموع. في تلك اللحظة، رأيت عددًا من زعماء المتظاهرين يتسربون منسحبين، قبل أن ألتفت لأرى أن قوات الأمن أطلقت الكلاب البوليسية في اتجاهنا ليبدأ الضرب وتنفض المظاهرة.

انتهت مظاهرة 20 مارس 2003، لكن آثارها امتدت لسنوات في الحياة السياسية المصرية، وكان من أهم نتائجها تشكيل الحركة المصرية من أجل التغيير كفاية، التي جمعت، للمرة الأولى، قوى سياسية متنوعة على طاولة واحدة، وهدف استراتيجي مشترك، هو: التغيير. كان ميلاد حركة كفاية، ونشاطها بعد ذلك، علامة على إمكانية التنسيق حول مشتركات وطنية بين القوى السياسية المتباينة، وعلى إمكانية الوصول إلى كتلة حرجة مواجهة سطوة الحزب الوطني الحاكم وقتئذ.

                                                              لقطات من مظاهرات 2003 في ميدان التحرير

في المقابل كانت هناك مؤشرات على انتهازية بعض القوى، واستعدادها للوصول إلى تفاهمات منفردة مع السلطة، كما فعلت جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات 2005، التي حصلت فيها على 88 مقعدًا في البرلمان. لم يكن فوز الإخوان وقتها غريبا، لأنه كان قفزة حصان في رقعة الشطرنج من لاعب متمرس أراد تفكيك الكتلة التي تشكلها حركة كفاية، وضرب مبدأ الاتفاق على مشتركات سياسية وطنية من أساسه.

سيكرر الإخوان ذلك، لاحقا، بعد الثورة، مع لاعب أقل مهارة هو المجلس العسكري.

ولكن عام 2005 كان عامًا محوريًا، بشكل عام في الحراك السياسي المصري، إذ تعددت فيه مظاهرات كفاية، وشكلت ضغطًا كبيرًا أدى إلى حديث مبارك، العائد من رحلة علاجية في ألمانيا، عن إمكانية لتعديل دستور 1971، للمرة الثانية بعد التعديل الذي أجراه السادات عام 1980. كانت أمام مبارك فرصة كبيرة، في تلك اللحظة، لكي يصبح بطلًا قوميًا بإجراء تعديلات تعزز الديمقراطية، وتضمن انتقالًا سلسًا وحرًا للسلطة، لكن رجل الفرص الضائعة كان على الأرجح قد فقد لياقته النفسية للحكم، واختار أن يمشي الخطوة الأولى في اتجاه ما عرف، لاحقا، بـ "التوريث".

بروفة جينرال للثورة

استمرت كفاية في مظاهراتها، التي كان أغلبها على سلم نقابة الصحفيين، واستمر الإخوان في اللعب على الحبلين أملًا في تفاهمات منفردة جديدة، واستمر الغضب في التصاعد حتى بلغ ذروته الأولى في إضراب عمال المحلة في 6 أبريل 2008. كان الإضراب هو البروفة الجينرال للثورة التي انطلقت في 25 يناير 2011، إذ ضرب مركزية الاحتجاج في القاهرة، ولقي صدى كبيرًا وتجاوبًا في الكثير من التجمعات العمالية في مصر، لكن الأهم أنه أسقط، ربما إلى الأبد، قدسية الحاكم الفرد، وهيبته، عندما أسقط المحتجون صورة ضخمة لمبارك، ومزقوها، وداسوها بأقدامهم.

قوبل المشهد بحالة إنكار من سلطة مبارك ورجالها، ومن مبارك نفسه، ولم يكن بمقدور أحد أن يرى القفزة التالية للغاضبين، ولم يكن لديهم خيال سياسي كاف لاستيعاب أن تغييرًا حقيقيًا يمكن أن يحدث على الأرض، وهو الوضع الذي لخصه مبارك نفسه بقوله: "خليهم يتسلوا".

ربما فقد مبارك رغبته في الحكم، بدون أن يدري، بفعل التقدم في السن، أو بفعل الملل، أو بفعل فقدان اللياقة السياسية الكافية لرؤية المخاطر الحالّة والمحتملة، التي تحيط بنظام حكمه. سمح ذلك بحدوث تغيرات كبيرة في الدائرة الفاعلة المحيطة به، فتراجع رجاله خطوة إلى الخلف، لكي يتقدم ابنه ورجاله، من المغامرين صغار السن وقليلي الخبرة، خطوات إلى الأمام، في اتجاه الحكم.

                                                      إسقاط صورة مبارك في أكبر ميادين المحلة الكبرى أبريل 2008

واصلت كفاية احتجاجاتها، حتى بدا أنها ستكون احتجاجات أبدية، بلا مفعول،. وتكاثرت اعتصامات العمال في شارع قصر العيني، أمام مبنى البرلمان، أو أمام مقرات الوزارات. وفاز جمال مبارك ورجاله بأغلبية ساحقة في انتخابات برلمانية، نهاية عام 2010، افتقر مديرو تزويرها إلى الحكمة، وتحلوا بثقة أقرب إلى الغباء، فبدا التوريث لهم أقرب من أي احتمال آخر، وأقوى من أي يقين. أما الإخوان فاختاروا أن يبقوا على سلم التوريث، في انتظار ما قد يجود به الحكام القادمون من تفاهمات منفردة.

رؤية الإخوان للتوريث عبر عنها، بحرية كاملة، رجل الأعمال الإخواني الشهير يوسف ندا، الذي عرض أن يتوسط بين الإخوان وجمال مبارك، في حوار مع المصري اليوم عام 2008، وقال فيه نصا: "لا أنظر إلى الموضوع على أنه توريث ولكنني أنظر إليه على أنه حق لكل مواطن مصري، على أن يكون هذا الحق غير مقرون بالسلطة، وإذا هو نافس أي مصري كمصري فهذا حقه وأنا لا أستطيع أن أنزع منه الجنسية، وإذا كانوا هم يضعون القوانين حتى يمنعوا غيرهم أقول لهم إنهم مخطئون فيجب ألا نقع في نفس الخطأ وننادي بمنعه، وهو من حقه كمصري أن يرشح نفسه وإن كنا ننادي بحقوق المواطنين فكيف نناقض أنفسنا ونحرمه من هذا الحق". 

لكن جمال مبارك لم يأت إلى الحكم، وهو أمر لم يكن مفاجئًا بالنسبة لي، وسبق أن تصورته في سلسلة مقالات كتبتها في عمودي اليومي في جريدة البديل، عام 2008، وأقتبس من أحدها:

"لا أظن أن المصريين يمكن أن يقبلوا انتقال الحكم من مبارك إلي مبارك فقد قضوا 27 عاما تحت حكم رئيس واحد، وتدهورت فيها أحوالهم الاقتصادية بشكل أعاد تقسيم الطبقات الاجتماعية إلى ثلاث طبقات جديدة هي شديدو الثراء والفقراء، والأكثر فقرًا، وهذا حدث في عهد الأب، فما بالك بما يمكن أن يحدث إذا حكم الابن ومن يحيطون به من رجال الأعمال الأباطرة؟ كل هذه الأسباب، إضافة الي ما أوردته أمس يجعل فكرة التوريث غير واردة-بالنسبة لي علي الأقل- وربما تأتي بنتيجة عكسية إذا أرادت قوة سياسية ما فرضها علي الناس، لحماية مصالحها، ولكن علينا-أيضًا- أن نأخذ في الاعتبار الدور الذي يمكن أن تقوم به مؤسسة وطنية شديدة الأهمية هي المؤسسة العسكرية التي ستلعب حتمًا دورًا مرجحًا في اختيار من يحكم مصر إذا غاب الرئيس مبارك".

يوم التقى الغَضَبان

بعد الانتخابات، التي أدارها جمال مبارك ورجاله برعونة غير مسبوقة، في 2010، بدا الأمر كما لو أن يدًا قررت أن تُفلِت الغضب في الشارع، في صورة اعتصامات متتالية لعمال من شركات ومصانع متعددة. كان بإمكانك أن تشم رائحة الغضب في كل مكان، الغضب الذي قوبل بالكثير من الاستخفاف والسخرية من الصاعدين الجدد إلى الحكم، ومن والاهم بالكلام، أو بالصمت. لكن غضبًا آخر مختفيًا كان يتصاعد داخل المؤسسة العسكرية من استبعادها من معادلة الحكم، ومن فكرة التوريث ذاتها، التي يمكن أن تقضي على التوريث المتعارف عليه منذ يوليو 1952: التوريث من رجل عسكري إلى آخر. وعندما جاء يوم 25 يناير، التقى الغضبان، على اختلاف دوافعهما، وتباين أهدافهما.

في صباح 25 يناير، قررتُ البقاء في البيت، ولم أكن متفائلًا بأن ثورة حقيقة ستحدث، كما فعلت تونس. وقلت لنفسي إن الأمر لن يتعدى كونه وقفة على سلم نقابة الصحفيين، كسالف وقفات كفاية، وإن الوضع، إذا زاد عن ذلك، لن يتعدى مشاركة الآلاف في مظاهرة حاشدة في ميدان التحرير، كما حدث يوم 20 مارس 2003، الذي انتهى بضربنا وتفريقنا، ومطاردتنا في الشوارع الجانبية لوسط البلد، وهو ما حدث بالفعل.

وفي اليوم التالي، شهدت منطقة وسط البلد مظاهرات صغيرة متفرقة، واشتباكات محدودة مع قوات الأمن أمام دار القضاء العالي، بسبب الأنباء حول قتل شاب من المتظاهرين في السويس، وانتهى اليوم كسابقه. ومر يوم 27 هادئًا ذلك الهدوء الذي سبق عاصفة يوم 28 يناير، الذي نودي إليه باسم جمعة الغضب. كان هذا هو اليوم الذي أدركت فيه أنني أمام ثورة حقيقية، وأن هناك أملًا في التغيير، وفي الالتقاء على مشتركات وطنية بين القوى السياسية المختلفة، خصوصًا بعد أن قرر الإخوان المسلمون المشاركة. كان الإخوان، للحقيقة، يقدمون رِجلًا ويؤخرون الأخرى، في انتظار أن ترجح كفة أحد الأطراف.

في 24 يناير، قال الدكتور عصام العريان لـالمصري اليوم، إن الإخوان لن يشاركوا في مظاهرات 25 يناير. وفي 25 يناير، قالت وزارة الداخلية إن المتظاهرين هم من جماعة الإخوان المسلمين، فردت الجماعة ببيان رسمي أكدت فيه أنها لم تشارك في المظاهرات. وعندما جاء يوم 28، أدركت الجماعة أن عواقب عدم مشاركتها قد تكون أسوأ كثيرًا من عواقب المشاركة، فانضمت إلى الحشود. في نهاية اليوم، ذابت قوات الشرطة، واحترقت أقسام شرطة عديدة، لكن المشهد الأبرز لم يكن نزول قوات الجيش إلى الشارع، وفرض حظر التجول، بل كان تلك الدبابة التي كُتب عليها "يسقط مبارك".

 

كشف اللاعب الأبرز في المعادلة عن وجهه، لكن أحدًا، في نشوة النصر، لم يرد أن يراه. وكما كان يوم 25 يناير هو يوم التقاء الغضبين، كان يوم 28 يناير هو يوم التقاء الإرادتين: إرادة الشارع، وإرادة المؤسسة العسكرية. والدقة تقتضي القول بأن إرادة الشارع لم تكن واحدة، وإن بدت كذلك، وهذا أمر طبيعي.

كان هناك من يريدون حقا أن يتحول شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية" إلى واقع، لكنهم لم يعرفوا كيفية تحقيقه. وكان هناك السلفيون، ويمثلهم، بالنسبة لي، جاري الذي أصبح، لاحقا، أمينًا عامًا لحزب النور، وكان يسألني في جلسات الجيران في اللجان الشعبية: "هو مبارك وحش فعلا يا أستاذ ياسر؟" وكان هناك الإخوان، الذين اختاروا، أخيرًا، ألا يجلسوا على سلم الثورة، لكنهم اختاروا، أيضًا، أن يلعبوا اللعبة لصالحهم، وهذا طبيعي. وكان هناك الشباب، المسيس منهم وغير المسيس، الذين رأوا أنهم، وحدهم، من صنعوا الثورة، بلا شريك، وبلا جذور، وأن الوقت حان لتقاعد الأجيال السابقة عليهم، ممن لم يستطيعوا أن يحققوا إنجازهم في الماضي. ثم كانت هناك المؤسسة العسكرية، التي اختارت ارتداء ثوب "حامي الثورة"، وتبنت خطاب الوقوف على "مسافة واحدة من كل الأطراف".

أما الأطراف المعنية، فقد "مضى كل إلى غايته"، على النحو التالي:

1- رافضو التغيير

كان رافضو التغيير، أو من أُطلق عليهم حزب الكنبة، الطرف الأكثر وضوحًا في غاياته وأهدافه، والأكثر اتساقا مع ما يريد. أراد هؤلاء أن يبقى الوضع على ما هو عليه، إما حرصًا على استقرار مصالحهم، واستمرارها مع نظام مبارك، أو أي نظام شبيه، أو لخوفهم من فكرة التغيير ذاتها، أو لإيمان البعض منهم بأن جمال مبارك هو الأصلح فعليًا لقيادة البلاد، بعد والده. لكن منهم أيضًا من كان يعتقد أن الثورة على رجل طاعن في السن عمل غير لائق. وهؤلاء جميعًا انقسموا بين من احتفظ بولائه، ومحبته، لمبارك، ورأوا ألا ضرورة أو حاجة لتغييره، ومن أيدوا المجلس العسكري، إما اطمئنانًا لوطنيته، أو خوفًا من صعود الإخوان، أو قلقا من المجهول بشكل عام.

2- السلفيون

كان السلفيون الطرف الأقل خبرة على مستوى الممارسة السياسية، رغم تعدد أطيافهم وتنوعها. وربما كانت هذه البراءة السياسية سببًا وراء تأرجح مواقفهم، بين طيف مصاب بمتلازمة ستوكهولم، بحث عن سلطة قامعة يتبعها، أو طيف آخر استقطبه خطاب عاطفي يركز على الجهاد والاستشهاد، أو ثالث اختار اتباع شخصيات من نوعية حازم أبو إسماعيل، الحالم بالقفز إلى منصب الرئاسة. كان السلفيون، على اختلاف مشاربهم ومآربهم، خيطًا واضحا في نسيج الثورة، لكنه خيط يصعب نسجه مع آخرين، إما لتعدد خاماته، أو لصعوبة دمجه مع تيارات تبدو قريبة، لكنها ليست كذلك، مثل الإخوان المسلمين. أسس فريق من السلفيين حزب النور، الذي تحالف في البداية مع الإخوان، وأيدهم، ثم تحالف مع المجلس العسكري بعد سقوط حكم الإخوان، وأيده. 

3- الإخوان المسلمون

منذ البدء، لعب الإخوان على كل الأحبال، إلى أن سقطوا من حبل المجلس العسكري في 30 يونيو 2013. رفع الإخوان، في البداية، شعار "مشاركة لا مغالبة"، لكن رؤيتهم للأوضاع على الأرض جعلتهم يقدمون المغالبة بلا مواربة، بشكل تدريجي. أيد الإخوان المسلمون التعديلات الدستورية في 19 مارس 2011، وحشدوا من أجل التصويت بـ"نعم"، مستخدمين خطابًا ذا طابع ديني استقطب السلفيين والمتدينين من المواطنين المصريين العاديين، بحجة أن رافضي التعديل يريدون إلغاء مادة الشريعة الإسلامية من الدستور، وهو أمر مضلل، لأن المادية الثانية لم تكن مطروحة للتعديل من الأساس.

وقال الإخوان إنهم لن يقدموا مرشحين في الانتخابات البرلمانية الأولى بعد الثورة إلا بنسبة 35% من المقاعد، لكنهم قدموا مرشحين على كل المقاعد. والتقت إرادة الإخوان مع إرادة المجلس العسكري على تقديم الانتخابات على الدستور، على غير ما يمليه أي منطق سياسي، إذ لا يقوم عمل سياسي، أو قانوني، صحيح، في غياب الدستور. قدم الإخوان تنازلات عديدة للمجلس العسكري مقابل حصولهم على الأغلبية البرلمانية، وهو الأمر الذي جعلهم يتقدمون لخوض انتخابات الرئاسة، بعد أن صرحوا بأنهم سيكتفون بالبرلمان، ولن يقدموا مرشحًا على منصب الرئيس.

وفي الطريق إلى منصب الرئيس، وقف الإخوان إلى جوار رجال الأمن في صدامات شارع محمد محمود في مواجهة الثوار، واستخدموا التعبيرات نفسها التي يستخدمها المجلس العسكري وأنصار مبارك، لوصف الثوار، وخلاصتها أنهم "ممولون من الخارج للتخريب، وفوضويون، وغير راغبين في الاستقرار، وساعون إلى هدم الدولة"، كما وجهوا اتهامات للمتظاهرين السلميين فيما يعرف بمجزرة ماسبيرو بأنهم مدفوعون من فلول الحزب الوطني لتخريب الانتخابات.

خرج الإخوان من معادلة الثورة ليدخلوا في معادلة السلطة، بشروط أملاها المجلس العسكري أهمها عدم مراقبة ميزانية المؤسسة العسكرية، واختيار وزير الدفاع من قبل المجلس العسكري، وبموافقته. لم يقاوم الأخوان إغراء جزرة السلطة، ولم ينتبهوا إلى حصان طروادة الذي أسقطهم عن السلطة، في ذروة اطمئنانهم إلى أنهم سيحكمون البلاد لمدة خمسين عامًا على الأقل.

4- شباب الثورة

يذهب تصوري إلى أن الخدعة الأكبر التي تعرضت لها الثورة، هي أنها "ثورة الشباب الطاهر البريء". لم تكن هناك كتلة يمكن تسميتها "شباب الثورة"، وهو الأمر الذي أدركه المجلس العسكري مبكرًا، فعمل على تغذية فكرة الائتلافات، فأصبح هناك ائتلاف ثوري لكل خمسة أشخاص، وسعى كل ائتلاف خلف أية مكاسب يمكن أن يحققها من قربه من المجلس العسكري. صحيح أنه كان هناك شباب مثقف مسيّس، لكن بعضهم كان ثوريًا أكثر من كونه سياسيًا، حتى أنهم رفضوا أي خطوة للتفاوض مع المجلس العسكري، وقرروا أن مَن يدعون إلى التفاوض هم أشخاص إصلاحيون لا يفهمون الواقع الجديد. وفي المقابل، مَن جلس مع المجلس العسكري وحاول التفاوض قوبل بتشدد من المجلس، ولم يعرف هؤلاء استثمار أوراق تفاوضهم عبر زيادة الضغط على الأرض، باعتبارهم ملاك سلطة الأمر الواقع في ذلك الوقت، فانتهى الأمر إلى لا شيء. أما شباب الأحزاب، فكانوا أسرى فكرة الالتزام الحزبي، التي جعلتهم مقيدين بأفكار ومصالح قادة أحزابهم. وكان قادة الأحزاب يتعاملون مع السلطة الجديدة بمنطق تعاملهم مع سلطة مبارك: "راضون بما تلقيه لنا السلطة من فُتات على السلم".

5- المؤسسة العسكرية

ربما كانت المؤسسة العسكرية هي الطرف الوحيد الذي يمتلك هدفًا ذكيًا يسعى لتحقيقه، بمعنى أنه هدف محدد، قابل للقياس، قابل للتحقيق، واقعي، ومؤقت بفترة زمنية. ولم يكن هذا الهدف سوى إيقاف عملية توريث الحكم لجمال مبارك، بدون أن يتعداه إلى إسقاط مبارك نفسه. اختلف الواقع مرات عديدة على الأرض، من بداية الثورة إلى يوم سقوط مبارك في 11 فبراير 2011، فأصبحت الأمور خارج السيطرة، أو خارج نطاق الهدف الذكي المحدد سلفًا. وكان على المؤسسة العسكرية أن تضع أهدافًا ذكية أكثر مرونة لإعادة الأمور إلى نصابها، لكن هذا الأمر استغرق أكثر من سنتين، واستخدمت فيه المؤسسة العسكرية كل خبراتها وقدراتها وإمكانياتها وعلاقاتها، كما استخدمت كثيرًا من الأطراف الطامحة إلى الحكم، التي قالت إنها ستقف على مسافة واحدة منها.

هل انهزمت الثورة؟

رأيي أن الثورة لم تنتصر إلى الآن، لكنها لم تنهزم. فما الذي يدفعني إلى القول بذلك، على خلاف السائد بين كل الأطراف؟

بمفهوم العلوم السياسية، لا يمكن وصف ما حدث بأنه ثورة، بقدر ما كان انتفاضة مكونة من مجموعة من المظاهرات الاحتجاجية. ولا تكون الثورة كذلك إلا إذا غيرت الجذور الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية للمجتمع، وهو ما لم يحدث بشكل كلي منذ 25 يناير، وهو، كذلك، أمر مستحيل التحقق خلال 10 سنوات.

تولد الثورات، ثم تحبو، ثم تتعلم المشي، وتنمو بعد ذلك إلى أن يشتد عودها، فتصبح قادرة ليس فقط على الحكم، بل على إدارة التفاعلات الجديدة في المجتمع، كجزء منها، وكقاطرة لها. ولا يعني عدم حدوث ذلك، إلى الآن، أن الثورة قعيدة أو ميتة، كما يروج غير المؤمنين بها، وكما يعتقد أبناؤها الذين يشعرون بالإحباط والهزيمة، بل يعني أن التفاعلات مستمرة في المجتمع، حتى لو لم تصل إلى شكل نهائي. يكفي كمثال وعي المواطن العادي بحقوقه، حتى لو لم يكن قادرًا على الحصول عليها الآن.

في الماضي، كان المواطن يدخل إلى قسم الشرطة، ويتعرض إلى الضرب والتعذيب والإهانة، ويخرج معتقدًا أن ما حدث هو الطبيعي. وهو يتعرض للأمر نفسه الآن بشكل أكثر توحشًا وانتقامًا من الشرطة، لكنه يعي أن هذا ليس طبيعيًا، ويعرف حقوقه، لكنه لا يمتلك القدرة على الحصول عليها الآن. يعرف المواطن العادي الآن أن له الحق في الحياة والتعليم والصحة والعيش الكريم بحرية تحت مظلة عادلة وحكم رشيد، ولكن قدرته على الحصول على حقوقه معطلة مؤقتًا. يتنامى هذا الوعي تحت السطح من جيل إلى جيل، إلى أن تأتي لحظة حرجة، يعود عندها العسكريون إلى حراسة الحدود، ويعود المواطنون إلى إدارة البلاد، فتعود الأمور إلى طبيعتها والحياة لدورتها الدائرة.

لم تنتصر الثورة إلى الآن، لكنها ستنتصر غدًا، أو بعد غد، أو بعد خمسين عامًا.


قراءة ملف "تلك الأحداث" على هذا الرابط

هذه القصة من ملف  تلك الأحداث التي لا يجب ذكر اسمها



مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.